هل ستغيّر روبوتات المحادثة "Chatbots" قواعد لعبة التوظيف؟

2nd February, 2021

تجد المؤسسات نفسها بين مطرقة التكنولوجيا وسندان التغيير المستمر الذي يدفعها نحو الحاجة إلى التكيّف إن كان لها أن تحافظ على مزاياها التنافسية، فقد أحدثت الحلول التقنية الحديثة المختلفة ثورة ألغت العديد من الوظائف، فلا يمكن إنكار أن التكنولوجيا تلعب دوراً مهماً في تنمية المجتمعات.

يُستخدم مصطلح الذكاء الاصطناعي (AI) بشكل عام لأنظمة البرمجيات والآلات، وقد قدّم السيد جون مكارثي هذا المصطلح في عام (1956) حين أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي (AI) سيساهم في العديد من المجالات مثل علم النفس والطب والهندسة والإدارة، وما لبث أن انتشر هذا المصطلح بسرعة على مستوى العالم ليحظى باهتمام قطاع الأعمال، ونتيجة لذلك أصبح الذكاء الاصطناعي حقيقة واقعة وبدأت المؤسسات في تبنّيه ضمن عملياتها لتقليل الأخطاء والجهود ووقت القوى العاملة، وقد أظهرت معظم الإحصائيات والأبحاث أن المؤسسات التي استعملت الذكاء الاصطناعي وتحديداً روبوتات المحادثة المعروفة أيضاً بروبوتات الدردشة كانت راضية عن هذا الأمر وعوائده الاستثمارية إذ ظهر ذلك من خلال المبالغ المستثمرة في هذا السياق إذ بلغت 26 إلى 39 مليار دولار أمريكي في عام 2016 (بوغين وزملاؤه، 2017).

تم تطوير روبوتات المحادثة التي تساعد المتعاملين بشكل مستمر وبطريقة سريعة ومتسقة وخالية من الأخطاء، وعلى مدار السنوات القليلة الماضية عزز مطورو روبوتات الدردشة قدراتها على التعامل مع الطلبات والمشكلات والقرارات الأكثر تعقيداً، ومن جانب آخر تأثرت إدارة الموارد البشرية هي الأخرى باستخدام روبوتات المحادثة الذكية خاصة وظيفة التوظيف والاختيار التي بدأت بتغيير الأساليب التقليدية لاختيار الموظفين وأصبحت أكثر اعتماداً على تحليل البيانات والأدوات التكنولوجية (حمود وزملاؤه، 2019)، فيمكن أن تتواصل روبوتات الدردشة مع المرشحين لتحسين إجراءات الاختيار، ولكن ستبقى هنالك الكثير من الأسئلة المطروحة: كيف ستؤثر روبوتات الدردشة على وظيفة مسؤولي التوظيف؟ وكيف ستضيف روبوتات الدردشة القيمة إلى ممارسات التوظيف؟

تُعد روبوتات المحادثة أو الـ Chatbots مثالاً على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وقد توقّع السيد تشوي وزملاؤه (2015) باستبدال حتى المناصب العليا بالذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب، فوظائف عديدة من بينها الاستقطاب والتوظيف لن تكون بشرية بعد الآن وسيؤدي استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي مثل روبوتات المحادثة في التوظيف والاختيار في النهاية إلى زيادة كفاءة وفعالية هذه الوظيفة من خلال إجراء مقابلات مع المتقدمين واختيارهم بناءً على كفاءاتهم باستخدام تقنية التعرف على الصوت والصورة.

أجرى خوسلا وزملاؤه (2016) اختباراً لاستخدام روبوتات المحادثة لمقابلة المرشحين من خلال تقييم الفروقات الحساسة في تعابير الوجه والصوت وتقييم السلوك العاطفي والعقلي وبناءً على متغيرات اللغة الشفوية ولغة الجسد مما ساعد على تسهيل عمليات الاختيار، ومثالاً لذلك كان روبوت الدردشة الخاص بشركة "كسور" (XOR) والذي يعتبر أحد روبوتات الدردشة الشهيرة في مجال التوظيف، قد استطاع أتمتة العديد من عمليات التوظيف المعقدة من خلال تفعيل طرق مختلفة في التواصل كالرسائل القصيرة، وتطبيق واتساب، وموقع فايسبوك، والإنترنت، والبريد الإلكتروني، إلخ، وقد أشار حوالي 99.3٪ من المرشحين والموظفين الذين تفاعلوا مع روبوت شركة XOR إلى أن التجربة كانت رائعة. لذا سيبقى سؤال مهم بلا إجابة: هل ستستحوذ روبوتات الدردشة على وظائف الاستقطاب والتوظيف؟

أدّت جائحة كورونا المستجد إلى وضع تطبيقات وممارسات الأتمتة والذكاء الاصطناعي والروبوتات على المسار السريع، فأجمعت أغلبية الدراسات والأبحاث بأن برامج روبوتات الدردشة الآلية لن تتمكّن من أن تحل محل موظف الموارد البشرية بشكل كامل ولكن سيتم استخدامها بالتأكيد على نطاق واسع خلال السنوات القادمة، وعلى صعيد آخر ستظهر قطعاً المزيد من حلول الذكاء الاصطناعي؛ ولكنها لن تستغني أبداً عن المدخلات البشرية، فيمكن القول أن أدوات الذكاء الاصطناعي ستؤثر بشكل كبير على التوظيف والاختيار وسيتم إسناد المزيد من المهام التشغيلية إلى الذكاء الاصطناعي مما سيساعد موظفي هذا القسم على التركيز على المهام الاستراتيجية.

تستطيع روبوتات الدردشة التعامل مع البشر والتواصل معهم بصورة مشابهة للتفاعلات البشرية؛ ويتم ذلك من خلال تحليل تعبيراتهم (نواز وزملاؤه، 2019 ) وإجراء تقييم بالفيديو وربط عمر مقدم الطلب وصوته وإيقاعه ونغمته وسلوكه وتفاعله وردود فعله والعديد من العناصر الآخرى (فرنانديز وفرنانديز، 2019)، كما يساعد الذكاء الاصطناعي موظفي الموارد البشرية من خلال البيانات المستخرجة من وسائل التواصل الاجتماعي ومسح المواهب المناسبة دون أي محاباة أو تفضيل (أوبادياي و خانديلوال، 2018).

يحاول أصحاب العمل البحث عن أدوات يمكنها أداء المهام الروتينية لعمليات الاستقطاب والتوظيف بطريقة سهلة وسريعة. بالرغم من ذلك تحتاج روبوتات الدردشة إلى بعض الوقت للوصول إلى مستوى الكفاءة المطلوب في مجال التوظيف (أوبادياي وزملاؤه، 2018)، ولكن هذا الأمر لم يمنع المستخدمين من الاستفادة من مزايا روبوتات المحادثة العديدة، ومثال لذلك استخدام شركة لوريال (L’Oréal) روبوت الدردشة للتوظيف المعروف باسم "ميا" (Mya) للمساعدة في اختبار 5000 من المرشحين للوظائف الشاغرة في الشركة، حيث نجحت لوريال في جمع كل البيانات واستطاعت إشغال المناصب دون عناء وفي وقت قياسي. وتوصّلت الشركة في تلك التجربة إلى النتائج التالية:

- تخفيض معدّل الوقت المستغرق في إجراء المقابلات (40 دقيقة).

- توفير تكاليف رواتب الموظِّفين (250 ألف دولار).

- توظيف مجموعة كبيرة ومتنوعة دون أي تحيّز.

على الرغم من المزايا العديدة لروبوتات الدردشة؛ إلا أن استخدامها ينطوي على الكثير من التحديات فروبوتات الدردشة مدعومة بقدرات ذكاء اصطناعي متقدمة لا تجعلها تشعر بأي تعاطف لذلك قد تكون المحادثة مع المرشحين أقل جاذبية، ولا يمكن تجاهل أن بعض روبوتات المحادثة لديها معلومات محددة مسبقاً وبالتالي فإن أي سؤال غير متوقع قد يؤدي إلى إرباك الروبوت ويمكنه في النهاية تقديم نتائج غير دقيقة، وبالتالي وحتى لو سمحت روبوتات المحادثة بتقليل عدد الموظفين في مؤسسة ما؛ إلا أن عمليات شراء وتحديث وصيانة وترقية الروبوتات باهظة الثمن، فلكل روبوت محادثة خصائص مختلفة ويجب تحديثه من وقت لآخر.

أخيراً وليس آخراً، غالباً ما يرافق التخوّف من خرق الأنظمة والحصول على البيانات السرية كل برمجيات والتطبيقات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، ولا تعد روبوتات المحادثة استثناءً لهذه المخاوف، حيث من المحتمل أن تتعرض هذه الروبوتات للهجوم من قبل المتسللين الذين يمكنهم الحصول والتحكم في كل المعلومات، والرد بشكل مفاجئ على المرشحين، وجدولة مقابلات خاطئة من شأنها على أقل تقدير أن تضر بسمعة المؤسسة، وبسبب كل ذلك يمكننا اعتبار أننا بعيدين عن المنتج المثالي، وسيظل من الخطأ اعتبار روبوتات الدردشة ابتكاراً لا تشوبه شائبة لأن أدوات الذكاء الاصطناعي ما زالت في سنوات تطويرها الذي سيحتاج إلى مزيد من الوقت. وعلى سبيل المثال كان "تاي" (TAY) روبوت شركة مايكروسوفت Microsoft بمثابة تجربة مصممة للتعلم من خلال المحادثات، مستهدفاً البالغين من سن 18 إلى 24 على منصات التواصل الاجتماعي، وكان الهدف من "تاي" هو إشراكهم وتسليتهم باستخدام محادثات ودّية، لكن الأمور سارت بشكل خاطئ خاصة عندما اعتبر روبوت الدردشة التابع لشركة مايكروسوفت أن "هتلر" كان على حق واستعمل العديد من العبارات العنصرية، وعلى الرغم من نتائجه الرائعة بتحقيق أكثر من 50000 متابع و100000 تغريدة خلال 24 ساعة؛ إلا أن شركة ميكروسوفت اضطرت لإنهاء مشروع الروبوت "تاي".

مع التطور غير المسبوق لاستخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعي مثل روبوتات المحادثة في المؤسسات؛ تتسابق الشركات والأقسام التابعة لها خاصة قسم الموارد البشرية بإدخال حلول الذكاء الاصطناعي بشكل تدريجي، وتوفر روبوتات الدردشة حلولاً مبشّرة لتطوير عمليات التوظيف والاختيار من خلال تحسين نتائج العديد من مؤشرات الأداء الرئيسية المتعلقة بقسم التوظيف والاختيار مثل: الوقت اللازم لملء الوظائف ووقت الانضمام ومعدلات المتقدمين المؤهلين والعديد من المؤشرات الأخرى، كما تسمح حلول الذكاء الاصطناعي للأفراد الموهوبين باكتساب الكفاءات الجديدة وبالتالي ملء الوظائف التكنولوجية الشاغرة في المؤسسات مما يزيد من قدراتها التنافسية .

عن الكاتب
شارل طوق

شريك

يشغل السيد شارل طوق منصب شريك في شركة ميرك للتدريب والاسـتشارات، وهو حائز على شهادة البكالوريوس في الحقوق من الجامعة اللبنانية، وعلى درجة الماجستير في إدارة الموارد البشرية والتدريب من جامعة ليستر في بريطانيا، كما أنه يستكمل حالياً درجة الدكتوراة في إدارة الأعمال من كلية الأعمال السويسرية، بالإضافة إلى ذلك فقد حصل السيد شارل على شهادة الاعتماد المهني من جمعية إدارة الموارد البشرية (SHRM-SCP) في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه مدرّب معتمد من معهد الأداء والتعلم في كندا (CTP ™)، وخبير معتمد في التوجيه الإرشادي ACECC، وحاصل على شهادة في الصحة والسلامة المهنية من نيبوش (NEBOSH) في المملكة المتحدة، إلى جانب كونه مستشاراً معتمداً في التطوير المؤسسي من الجمعية الدولية لتطوير وتغيير المؤسسات (ISODC) في الولايات المتحدة الأمريكية.

الاطلاع على الملف
علم النفس الصناعي والمؤسسي

يعتبر علم النفس الصناعي والمؤسسي أحد فروع علم النفس التطبيقي، حيث يركّز…

شارل طوق
23rd February, 2021
اقرأ أكثر
هل مهنة خبير الجودة في طور الاندثار؟

في ضوء التقدم السريع للتكنولوجيا وما يسمى الثورة الصناعية 4.0، أي الذكاء…

د. فوزي بوّاب
2nd February, 2021
اقرأ أكثر
إدارة الوقت في زمن الـ "كورونا"

جلب فيروس كورونا المستجد مخاوف كثيرة هددت البشرية جمعاء. في هذه الأوقات…

شارل طوق
31st March, 2020
اقرأ أكثر
التقليص المؤسسي: وماذا بعد؟

انتشرت مؤخراً ممارسات تقليص حجم القوى العاملة، وأصبحت ظاهرة عالمية لا…

شارل طوق
18th February, 2020
اقرأ أكثر