إدارة الوقت في زمن الـ "كورونا"

إدارة الوقت في زمن الـ "كورونا"

  شارل طوق | شريك

  31st March, 2020

جلب فيروس كورونا المستجد مخاوف كثيرة هددت البشرية جمعاء. في هذه الأوقات العصيبة، كل منا لديه هواجسه الشخصية خاصة بعدما اتخذت الدول والحكومات الإجراءات المشددة للحد من انتشار هذا الفيروس المعدي والتي أجبرت الجميع على ملازمة المنزل. ما كان يقلقني شخصياً هو كيفية استغلال الساعات الطويلة التي سأقضيها في البيت، ولهذا السبب أعددت هذه المقالة علها تكون الجواب الشافي لتساؤلاتي وتساؤلاتك، حضرة القارئ، على حد سواء.

لا يمكن لأحد أن يقنعني في زمن الحجر المنزلي أنه لا يملك الوقت الكافي للقيام بالكثير من الأمور التي كان في الأيام العادية يتذمر لعدم قدرته على القيام بها وإنجازها في الوقت المحدد. لنتجنب العاميات والمحاضرات، فلننتقل إلى الشق العملي من الموضوع. لدى كل واحد أجبرته الظروف أو شاء طوعياً البقاء في المنزل ما لا يقل عن الأربع عشرة ساعة في اليوم الواحد. وإذا قمنا بعملية حسابية بسيطة، فبعد اقتطاع أوقات الراحة والطعام والاستجمام... إلخ يتبقى لنا ما لا يقل عن التسع ساعات يومياً نحتاج لاستغلالها بطريقة أو بأخرى. برأيي المتواضع، إذا لم نستغل هذه الأوقات الثمينة التي لن تتكرر، بإذن الله سبحانه وتعالى، سنندم عليها ندماً شديداً. السؤال المشروع الذي يتبادر إلى ذهنك، عزيزي القارئ، هو التالي: كيف يمكننا استغلال وقتنا في زمن نخاف فيه على أرواحنا وعائلاتنا وأشغالنا؟

إن جوابي عن هذا السؤال لن يكون من علم الغيب أو أحجية عجز عنها الكثيرون بل سأجيب عنه بصفة المجرب، علماً أنه في زمن الكورونا نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يبلي أحد بمرض أو كبوة. علمني البقاء في المنزل الكثير من العبر وفتح عيني على عدد من الأمور التي طالما أهملتها بالرغم أنني كنت معتقداً أنني أوليتها الوقت الكافي. بما أنني أعتبر نفسي صديقك المهتم، سوف أسرد هذه الأمور في السطور القليلة التالية ضمن نصائح أرجو أن تأخذها بعين الاعتبار.

أولاً: قضاء بعضاً من الوقت مع العائلة بشكل عام وتخصيص الوقت لكل فرد من أفرادها بشكل خاص للتعرف عليه من جديد. سوف تتفاجأ بالشخصيات والمشاعر والهوايات التي لم تكن تتوقعها لديهم. بالإضافة إلى ذلك فقد أُعطينا الفرصة من خلال الإجراءات المفروضة لاستثمار الوقت الإضافي بشكل فعال داخل العائلة من خلال القيام بالأنشطة الأسرية والتشاور بأمور عائلية ومشاهدة الافلام أو لعب ألعاب التحدي أو ألعاب الفيديو أو قراءة الصحف والمجلات الثقافية والترفيهية ومناقشتها مما قد يبعث حالة من الفرح والسعادة داخل الأسرة فضلاً عن المشاركة الجماعية التي يمكنها التخفيف من وطأة الملل والانزعاج. لا تنسَ ضرورة تقسيم المهام والواجبات المنزلية مع أفراد العائلة، ولم لا، خاصةً إذا كانت لديك مثلي بعض المواهب المخبأة كالطبخ فهذا هو الوقت المثالي لتفجر طاقاتك الدفينة.

ثانياً: العقل السليم يجنبك المشاكل النفسية والذهنية التي قد ترافق هذه الفترة العصيبة ويساعدك على التخفيف من إجهادها. نصيحتي الأولى في هذا السياق هي القراءة التي أعتبرها من النشاطات المفيدة جداً والتي يمكنك القيام بها بشكل يومي ولها عوائد جمّة كالمتعة والتعلم وتوسيع المخيّلة وتقوية الذاكرة. القراءة قد تقودك إلى اكتشاف ميلك للتدوين والكتابة النثرية أو الشعرية وقد تصبح في نهاية هذه الفترة جبران خليل جبران أو نزار قباني "العصر الكوروني". أما نصيحتي الثانية فهي أن تخرج من الحجر بشهادة جديدة أو علم جديد. باستطاعة كل واحد منا أن يبدأ في هذه الفترة المثالية بالدراسة من جديد للحصول على شهادة أكاديمية كالبكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه التي طال انتظاره لها. أو يمكنك اختيار بعض الشهادات المتخصصة المتوفرة بسعر رمزي عبر شبكة الإنترنت لتزيد من كفاءتك، أو يمكنك أيضاً أن تتعلم لغة أجنبية لطالما استمتعت بالإصغاء إلى أنغام كلماتها أو العزف على آلة موسيقية والتمتع بألحانها. نصيحتي الثالثة تنطبق عليك إذا كان لديك أطفال في عمر الدراسة كحالتي. هنا تكمن فرصة مزدوجة تتمثل بمساعدة أولادك في دراستهم وتتبع مجريات تطورهم الأكاديمي زد على ذلك تشغيل ذاكرتك الدفينة حول علوم عاصرتها منذ زمن بعيد. لا أبالغ إن قلت لك أنك ستتعلم أمور في هذه الجلسات أكثر من أطفالك بكثير.

ثالثاً: الجسم السليم. هنا تحد حقيقي خاصة أنك محتجز داخل بيتك ولا ترغب كأي منا اكتساب الوزن الزائد بل تود المحافظة على ما تبقى من رشاقتك. لكن قل لي الحقيقة؛ قبل الحجر لا بد أنك كنت تشتكي من قلة الوقت وكنت تستنجد بهذه الحجة المبتذلة للتخلص من تأنيب الضمير وأسئلة الآخرين. ها الفرصة أتت لعتبة بابك لبدء ممارسة الرياضة التي تحبها أو تجربة أي نوع من النشاط البدني الذي كنت تتوق شوقاً للغوص في مغامراته. بما أنك شبه مسجون ما عليك سوى فتح أي موقع رياضي عبر الإنترنت وتعلم الرياضة أو الرّقص واتباع تعليمات بسيطة وفعّالة للمحافظة على وزنك المثالي.

رابعاً وأخيراً: الخيارات لا تقتصر على ما سبق ذكره فيمكنك على سبيل المثال لا الحصر تنظيم ملفات العمل أو إنهاء بعض التقارير العالقة أو العمل في حديقة منزلك المهملة أو مشاهدة الأفلام التي لم يتسنَ لك الوقت سابقاً لمشاهدتها والتمتع بها مع من تحب وذلك عبر التلفاز أو مواقع الإنترنت التي تقدم العديد منها مجاناً أو بكلفة زهيدة. لكنني مدرك أن بعض الأشخاص وبالرغم أنه لا يوجد أزمة في توفر الوقت حالياً وبالرغم من وجود وسائل التكنولوجيا المتنوعة والتي ساهمت بشكل كبير في تقريب المسافات وفتح آفاق جديد للأعمال ما زالوا عاجزين عن إدارة ذواتهم واستغلال هذه المنحة المجانية. حان الوقت لنعتبر جميعاً هذا الظرف فرصة لتغيير منظومتنا الاجتماعية والعملية بشكل جذري والاستفادة قدر الإمكان من الوقت واستغلاله بالشكل الأمثل فنكون بذلك طبقنا الحكمة القائلة:" الوقت أجدر بأن يصادق لا يقاتل".

إن نصائحي ليست مبتكرة، لكنها جنبتني المشاكل والملل والإجهاد النفسي. كتبت هذه المقالة بعد تجربة شخصية وهدفي بسيط جداً وهو التخفيف عنك يا شريكي إذ أننا نتشارك المحنة ذاتها. هنالك الكثير من الأسباب التي تدفعنا للبقاء في المنزل، أهمها أن نكون وعائلاتنا وأحبائنا بمنأى من هذا الوباء. لذا، إذا اتبعنا هذه النصائح ربما يمكننا أن نعبر سوياً لبر الأمان متأملين أن تعوضنا سنة 2020 عن بداية تكاد أن تكون الأسوأ في التاريخ.


شارل طوق

شريك

يشغل السيد شارل طوق منصب مستشار وشريك ميرك للتدريب والاسـتشارات، وهو حائز على درجة الماجستير في إدارة الموارد البشرية والتدريب من جامعة ليستر في بريطانيا، وشهادة البكالوريوس في الحقوق من الجامعة اللبنانية، بالإضافة إلى ذلك حصل على شهادة الاعتماد المهني من جمعية إدارة الموارد البشرية (SHRM-SCP) في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه مدرّب معتمد من معهد الأداء والتعلم في كندا (CTP ™) ، وحاصل على شهادة في الصحة والسلامة المهنية من نيبوش (NEBOSH) في المملكة المتحدة، إلى جانب كونه مستشار تطوير مؤسسي مسجّل في الجمعية الدولية لتطوير وتغيير المؤسسات (ISODC) في الولايات المتحدة الأمريكية. بالإضافة إلى ذلك فإن السيد طوق حائز على شهادات متخصصة في مجال الصحة والمجتمع من جامعة هارفارد، وفي العولمة من جامعة تكساس في أوستن، وفي حقوق الإنسان الدولية من جامعة لوفان في بلجيكا.

More