ظلال التطوّرات التكنولوجية على إدارة الموارد البشرية

26th September, 2019

لا يخفى على أخصائيي الموارد البشرية أن استخدام أحدث تقنيات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في ممارسات إدارة الموارد البشرية يمثّل فرصة لجني المكاسب والفوائد. ومن تلك المكاسب – على سبيل الذكر وليس الحصر- زيادة الإنتاجية وخفض التكاليف المؤسسية والحفاظ على الميز التنافسية. لذا يتعيـــن على مدراء الموارد البشرية، الحرص على الاستفادة القصوى من أحدث التقنيات التكنولوجية كالروبوتات والذكاء الاصطناعي والأجهزة الرقمية في تطوير كفاءة الموظفين.

هذا وعلى إدارة الموارد البشرية، أن تكون على دراية بالدور الذي يمكن أن تلعبه هذه التقنيات وتأثيراتها الإيجابية على المجتمع والمؤسسات، حتى تتمكن من مواكبة الوتيرة المتسارعة للمنتجات التكنولوجية وتوضيح استخداماتها المثلى في تحقيق الأهداف المؤسسية.

لا شك أن لثورة تكنولوجيا الروبوتات والذكاء الاصصناعي آثار لا حصر لها على المجتمع من حولنا، ولا يمكن تجاهلها مطلقاً. بل على العكس من ذلك ما يجب علينا هو إدراكها واستغلالها بما يخدم مصالحنا، والنظر إلى تحدّياتها كفرص مواتية للتطوير وتحسين أساليبنا في العمل.

إن الوعي بما يدور حولنا من تطوّر تكنولوجي يعتبر من أكثر السبل فعالية لإعداد أنفسنا للمستقبل التكنولوجي المحتوم، ويظل السؤال هو: كيف يمكننا الاستعداد لما هو آتٍ؟

إجابة ذلك ستكون بداية باكتساب الكفاءات التقنية والرقمية، ومعرفة أساسيات التعلم الآلي وتحليل البيانات، والإلمام بمهارات استخدام التطبيقات الذكية والواقع الافتراضي، ذلك بالتأكيد إلى جانب ضرورة جذب واستبقاء المواهب الجديدة من جيل الألفية والجيل الرقمي. وبعد الاستيعاب التام لإمكانات التكنولوجيا الحديثة يجب التفكير ملياً في كيفية تسخيرها لصالح مؤسساتنا.

لكن الأمر لن يخلو بالتأكيد من بعض التحدّيات؛ حيث تشير الأبحاث إلى توجّه أدوات الأتمتة أو الذكاء الاصطناعي نحو الاستحواذ على نطاق واسع من أدوار القوى العاملة التي نعرفها اليوم، لتختفي بذلك فئات كاملة من المهن والمناصب، وتصبح العديد من الوظائف الحالية في طي النسيان. ولكن على الرغم من التأثير لمختلف الابتكارات التكنولوجية على الوظائف والمهارات والأجور؛ إلا أنها ستؤدي من ناحية أخرى إلى تمكيننا من اقتحام مجالات عمل أكثر جدوى وأعلى إنجازاً، مما يوفر لنا الجهد والوقت والتوازن الذي طالما سعينا إلى تحقيقه بين حياتنا المهنية والشخصية.

أعتقد شخصياً أن كل هذا التطوّر التكنولوجي لن ينتقص – كما يظن البعض- من مجالات العمل أو دور الموارد البشرية. بل أرى أن التكنولوجيا ستكون مفتاحاً لباب يخفي خلفه العديد من الفرص والوظائف المُطوّرة أو حتى المستحدثة كلياً، وستختلف نوعية الوظائف لتفاجئنا بأخرى لا يستطيع أي منّا توقّعها اليوم.

نتيجة للتطور السريع وغير المسبوق الذي نشهده يجب علينا توظيف التكنولوجيا في إنشاء روابط متكاملة بين القوى العاملة والمنتجات والخدمات. وقد أدرك أصحاب العمل الفوائد الكبرى للتكنولوجيا على إنتاجية الموظفين ومرونة بيئات العمل. ومن هنا ظهر اقتصاد المواهب بشكل سوق العمل الحالي، الذي أدى إلى تغيير في التركيبة الفكرية للموظفين؛ فبعدما كان الموظفون سابقاً يستبدلون وظائفهم بحثاً عن الأمان الوظيفي، أصبحوا الآن يبحثون عن بيئات العمل الديناميكية وذات القيمة المضافة لمعارفهم ومهاراتهم.

يستمر اقتصاد المواهب المفتوح في النمو مقابل تراجع سوق العمل التقليدي. ويعود ذلك للازدهار التكنولوجي، مثل الإنترنت الذي سمح للمؤسسات بتوسعة نطاق بحثها عن المهارات التي تلائم احتياجاتها، كما سمح للأشخاص الذين يمتلكون هذه المهارات بإظهارها عبر المنصات المتنوعة وتأدية مهام العمل المطلوبة من أي مكان في العالم. ومن ناحية أخرى سيفقد أكثـر مـن 800 مليـون موظـف حـول العالـم وظائفهـم (وهو ما يمثّل خُمـس القــوى العاملــة)، وسيحــل محلّهم «روبــوتات» في العــام 2030، ووفقــاً للدراسات التي أجريت مؤخراً علـى مـا يقـارب مـن 800 وظيفـة في 46 دولة. يصـل عـدد العامليـن حـول العالـم إلى مـا يقـارب مـن 2 مليـار موظـف بدوام كامـل، و2 مليـار أخريـن يعملـون لحسـابهم الخـاص، ومليـار عامـل فـي مهـن غيـر رسـمية، إلـى جانـب مليـار عاطـل عـن العمـل. وقد أوجدت التكنولوجيـا الجديـدة وظائف جديــدة بما يعادل أو حتى أكثــر ممــا اســتبدلت، ولكــن لســوء الحــظ هنــاك مليــار شــخص لــم يتمكنــوا مــن مواكبــة التطوّرات الجديــدة وبالتالــي فقــدوا أو سيفقدوا وظائفهــم. وأحد أمثلة هذه التكنولوجيا المتطوّرة تقنية روبوتات الدردشة (Chatbots) المدعمة بالذكاء الاصطناعي التي زادت من مخاوف فقدان المزيد من وظائف خدمة العملاء.

وقد أكّدت منظمـة العمـل الدوليـة فـي تقريرهـا الصـادر فـي ينايـر 2019 تحت عنوان: «العمـل مـن أجـل مسـتقبل أكثـر إشـراقا» أن هنـاك فرصـاً مستقبلية غير محدودة لتحسـين نوعيـة الحيـاة المهنيـة وتوسعة نطـاق الخيـارات المتاحة التي ستساعد على سد الفجـوة القائمـة بيـن الجنسـين والتغلّب على سلبيات عـدم المسـاواة علـى المسـتوى العالمـي. وعلى الرغم من أن التطــور التكنولوجــي سينتج وظائــف جديــدة، إلا أن الأشــخاص الذيــن سيفقــدون وظائفهــم خلال هذا التحوّل قــد يكونــوا أقــل استعداداً لاغتنــام فــرص العمــل.

كما أشار ذات التقريـر إلـى وجود بعض الآثار السلبية للتحـولات الاقتصاديـة والديمغرافية والتكنولوجية والمناخية، مما يحتّم الحاجــة إلــى توفير اســتثمارات لتحديــد معالـم هـذه التحـولات وتوجيههـا. كما يتعيـن علـى الـدول أن تولـي اهتمامها للاسـتثمارات المسـتدامة التـي تشـجع التنميـة البشـرية، فالمهارات المطلوبة كما حددها المنتـدى الاقتصـادي العالمـي (أكتوبـر ٢٠١٨) هـي تلك التي تواكب التطــور التكنولوجــي السريع.

يشير كل ما ذكرناه إلى ضرورة حرصنا على تمتع القـوى العاملـة بالمهـارات اللازمـة التي تدعم التطوّر التكنولوجي. كما لا يمكن تجاهل الفجوة الرقميـة التي مازالت تتوسع بين البلـدان المتقدمـة والناميـة، والعمل على سدها من خلال التركيز على مهارات تصميـم وتشـغيل وصيانـة البنيـة التحتيـة الرقميـة، فحتـى الآن لا توجـد أيـة مؤشـرات علـى انخفـاض نسـبة التوظيـف بسـبب تلـك الموجـة الكبيـرة مـن التغيـر التكنولوجـي، وفـي حيـن أن التغييـر قـد أثـر علـى قطاعـات معينـة ومهـن محددة بشـكل سـلبي، إلّا أنـه يولـّد العديـد مـن الوظائـف الجديـدة، سـواء بشـكل مباشـر أو غيـر مباشـر.

إنه عصر الثـورة الصناعيـة الرابعـة الذي يشهد مواهب مستحدثة ونمواً كبيراً. وبرأينا هناك خمس منهجيـات أساسية لسـد فجـوة المهـارات المطلوبـة فــي عالــم الغــد، وهي:

1) تحويل التركيز إلى المهارات الرقمـية والأتمتـة.

2) الحرص على مواكبة المهــارات الناشئة مثــل تطويــر تكنولوجيــا التعامــلات الرقميــة «بلــوك تشــين».

3) تعزيز المهارات التكنولوجية المتعددة كالبرمجة وتحليل البيانات الضخمة.

4) اكتساب المهارات المتعلقة بالروبوتات "الروبوتيكس".

5) التشجيع على الابتكار واستخدام الواقع الافتراضي والواقع المضخّم.

ختاماً لا بد لي من التركيز على ضرورة تمتّع مسؤولي المــوارد البشرية بمنظور مستقبلي ورؤية نافذة، لأنها السبيل الوحيد الذي سيمكّنهم من تحليــل الثغرات في الكفاءات البشــرية، والعمــل علــى مواءمــة القــوى العاملــة لمواجهــة التحديــات المعاصرة والتطوّر المتسارع الذي لن ينتظر المتقاعسين. لأن المستقبل بدأ البارحة.

عن الكاتب
شارل طوق

شريك

يشغل السيد شارل طوق منصب شريك في شركة ميرك للتدريب والاسـتشارات، وهو حائز على شهادة البكالوريوس في الحقوق من الجامعة اللبنانية، وعلى درجة الماجستير في إدارة الموارد البشرية والتدريب من جامعة ليستر في بريطانيا، كما أنه يستكمل حالياً درجة الدكتوراة في إدارة الأعمال من كلية الأعمال السويسرية، بالإضافة إلى ذلك فقد حصل السيد شارل على شهادة الاعتماد المهني من جمعية إدارة الموارد البشرية (SHRM-SCP) في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه مدرّب معتمد من معهد الأداء والتعلم في كندا (CTP ™)، وخبير معتمد في التوجيه الإرشادي ACECC، وحاصل على شهادة في الصحة والسلامة المهنية من نيبوش (NEBOSH) في المملكة المتحدة، إلى جانب كونه مستشاراً معتمداً في التطوير المؤسسي من الجمعية الدولية لتطوير وتغيير المؤسسات (ISODC) في الولايات المتحدة الأمريكية.

الاطلاع على الملف
علم النفس الصناعي والمؤسسي

يعتبر علم النفس الصناعي والمؤسسي أحد فروع علم النفس التطبيقي، حيث يركّز…

شارل طوق
23rd February, 2021
اقرأ أكثر
هل مهنة خبير الجودة في طور الاندثار؟

في ضوء التقدم السريع للتكنولوجيا وما يسمى الثورة الصناعية 4.0، أي الذكاء…

د. فوزي بوّاب
2nd February, 2021
اقرأ أكثر
هل ستغيّر روبوتات المحادثة "Chatbots" قواعد لعبة التوظيف؟

تجد المؤسسات نفسها بين مطرقة التكنولوجيا وسندان التغيير المستمر الذي يدفعها…

شارل طوق
2nd February, 2021
اقرأ أكثر
إدارة الوقت في زمن الـ "كورونا"

جلب فيروس كورونا المستجد مخاوف كثيرة هددت البشرية جمعاء. في هذه الأوقات…

شارل طوق
31st March, 2020
اقرأ أكثر