التطوير المؤسسي ومراحله المختلفة

3rd November, 2019

أود اصطحابكم من خلال هذا المقال في شرح مختصر لنتمكّن معاً من استيعاب ماهية التطوير المؤسسي ومراحله المختلفة:

- لابدّ من وضع خطة طويلة المدى: إن توقع تحقيق تغيير أو تطوير في أهداف وخطط وممارسات المؤسسة بين ليلة وضحاها يعتبر طموحاً غير معقول، فلا شك أن إحداث التغيير يعتمد على مدى "صبر" الإداريين، حيث أن خطة التطوير المؤسسي تستغرق عاماً واحداً على الأقل وكثيراً ما تمتد إلى ثلاث أو خمس سنوات، ولا جدال في أن تحويل خسائر شركة إلى أرباح، أو تحسين صورة المؤسسة في عيون العملاء والمستهلكين، أو تطوير السلوك الإبداعي للعاملين سيستغرق وقتاً طويلاً.

- حل المشاكل وتجديد الممارسات: يهدف التطوير المؤسسي إلى توجيه جهود المؤسسة نحو حل مشاكلها، وذلك من خلال تطوير أساليبها في حل المشاكل والتكيّف مع الظروف المتغيرة للبيئة المحيطة. تتضمّن تلك الأساليب جميع الأنظمة والإجراءات التي تساعد المؤسسة على تحديد جذور المشاكل ووضع حلول، ذلك إلى جانب اختيار وتطبيق الممارسات الجديدة، ووضع خطط المتابعة وتقييم الممارسات الجيدة.

- تعاون الإداريين: أيّاً كان من قام باتخاذ قرار التطوير؛ لا بدّ من تعاون جميع الإداريين في مختلف مراحل ذلك التطوير، ومن الضروري توثيق أواصر التواصل والتنسيق بينهم، كما على الإداريين إدراك أن أي مشكلة تعتبر مشكلة تواجه الجميع أي المؤسسة ككل، وليست مشكلة تقتصر على إدارة أو قسم معيّن، فلابد بالتالي من الحرص على تعاون الجميع في جمع البيانات المتعلّقة بتلك المشكلة وتحليلها، ثم اقتراح الحلول من خلال أدوات التواصل المفتوح، تلك الأدوات التي تعتبر الساعد الأيمن لإنجاح التطوير المرجو، ومن تلك الأدوات: الاجتماعات واللجان والتقارير المشتركة بين الأقسام وبين الإدارات وبين الأخصائيين.

- البيئة المؤسسية: يجب أن يستند أسلوب المؤسسة في حل المشكلات ووضع ممارسات التطوير على استيعاب العناصر المختلفة للبيئة المؤسسية، وعلى إدراك الآثار المترتبة لتلك البيئة على ممارسات المؤسسة. نقصد هنا بالبيئة المؤسسية: المنافسين، والموردين، والمستهلكين، والمساهمين، والهيكل التنظيمي والوظيفي، وجماعات العمل والأقسام والإدارات وأسلوب العمل فيها، وأنظمة الإنتاج والتسويق والتمويل والأفراد، وطبيعة الأساليب التكنولوجية، والأفراد، وأهداف المؤسسة، والقيم والمعايير السلوكية للعاملين، والاتجاهات النفسية، ومهارات العاملين، وغيرها.

- عناصر التدخّل الخارجي: لكل فرد أو مؤسسة منظورها المتفرّد للمواقف والأشياء، ذلك المنظور الذي قد يختلف كثيراً عن الواقع الحقيقي، لذلك يلزم وجود أطراف خارجية كمكاتب الاستشارات الإدارية، والمتخصصين للتدخل كعنصر محرك ودافع للتغيير، وقد يلعب ذلك الطرف الخارجي دوراً فاعلاً في إحدى خطوات التغيير مثل تشخيص المشاكل، أو تدريب الموظفين على تطوير أنفسهم وحل مشاكلهم، أو حتى على اقتراح بعض أساليب التطوير، ويعتمد مدى تدخل الطرف الخارجي على العديد من العوامل مثل: طبيعة المشاكل، ومستوى كفاءة الإدرايين، والثقافة المؤسسية التي تتقبّل مثل هذه التدخّلات الخارجية.

- التطبيق العلمي للعلوم السلوكية: التطبيق العلمي هو استناد المؤسسة في جهودها التطويرية على جمع المعلومات المتعلّقة بالمشاكل، والاعتماد على خبرة الاستشاريين الخارجيين ومشاركة الإداريين في وضع الحلول، وجمع المعلومات حول تطبيق أساليب التطوير الجديدة وتقييمها، كما يعتمد التطبيق العلمي للتطوير المؤسسي على الاستفادة من مبادئ العلوم السلوكية والخاصة بتطوير الاتجاهات النفسية للموظفين وتطوير مهاراتهم واستعدادهم للتعلم وتقبّل التغيير، وتطوير مهارات الموظفين في التعامل مع بعضهم البعض والثقة في النفس والمبادرة والابتكار، وغيرها من الاعتبارات السلوكية الأخرى.

المراحل المتسلسلة للتطوير المؤسسي

المرحلة الأولى: الدراسة التشخيصية.

تنطوي عملية التطوير المؤسسي على ثلاثة محاور هي: الإنسان ونظم العمل ومعدات وتسهيلات العمل. لذا يجب أن تشمل الدراسة التشخيصية التي تهدف إلى التطوير المؤسسي على هذه المحاور الثلاثة في سبيل اكتشاف فرص التطوير ومواجهة التغييرات وإحداث التغيير المطلوب. أول هذه المحاور بطبيعة الحال هو الإنسان، والملاحظ أن اكتشاف فرص التطوير في هذا المحور يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمحاور الأخرى، إلا أن هذا لا يمنع ضرورة تشخيص كل محور على حدة إلى جانب تشخيص المحاور الثلاثة مجتمعة.

تبدأ عملية تشخيص محور الإنسان بطرح الأسئلة التالية:

- ما هي الأدوار والمسؤوليات لكل موظف؟

- ما هو ارتباط هذه الأدوار والمسؤوليات ببعضها؟

- ما هي أهداف كل وحدة إدارية بالنسبة للتنظيم العام للمؤسسة؟

- ما هي المعدات والإجراءات والتسهيلات التي تتطلّبها تلبية تلك الأدوار والمسؤوليات؟

- ما هي المشاكل والمعوقات التي تعترض العمل: المعوقات البشرية، ومعوقات النظم والإجراءات والمعدات.

المرحلة الثانية: وضع خطة التطوير.

تمر عملية وضع خطة التطوير بمرحلتين: اكتشاف فرصة التطوير، ثم وضع خطة التطوير في ضوء الأهداف والإمكانيات المتاحة، ويكون ذلك أيضاً بطرح مجموعة من الأسئلة والإجابة عليها، هذه الأسئلة تدور حول الأبعاد الآتية:

- ما هي الأهداف المعلنة للمؤسسة؟

- ما هي فرصة التطوير المتاحة الآنية والمستقبلية؟ هل تلك الفرص قابلة للتحقيق؟ وما هي التكلفة المادية، الزمن المتاح، المكان المتاح، التسهيلات المادية المتاحة وغير المتاحة، النظم والتنظيمات التي تحتاج إلى تعديل ونطاق الزمن المسموح به؟

تركّز هذه الأسئلة على اكتشاف فرص التطوير، أما وضع خطة التطوير فيتطلب أيضاً تحديد مكونات تلك الخطة: الأفراد، والمعدات والتسهيلات، والتكلفة، والفترة الزمنية، وأساليب المراجعة وفقاً لتوقيت الخطة، وعلى جميع مكوّنات الخطة التي تقدّم ذكرها أن تلتزم بالمبادئ الخمسة التالية:

- أن تكون الخطة محددة ومكتوبة ومعلنة وقابلة للمراجعة.

- أن تكون الخطة قابلة للتحقيق في حدود التكاليف والإمكانيات المتاحة.

- أن تكون الخطة متماسكة ومترابطة ومتجانسة وتؤدي إلى تحقيق الهدف منها.

- أن تكون الخطة قابلة للقياس.

- أن تكون ذات إطار زمني محدد.

المرحلة الثالثة: التهيئة لتقبّل التطوير والحرص على استدامته.

إن السبب الأوّل لوضع الخطط هو الإعداد لتقبّل التنفيذ، هذه فرضية صحيحة، لأن الخطط تواجه عند التنفيذ مقاومة معلنة أو ضمنية، فالإنسان يقاوم التغيير بطبعه وإن كان يتوقعه، لذا لابد أن تضع الخطط في اعتبارها ضرورة التهيئة التي تضمن التنفيذ السليم، ولعل خطط التطوير المؤسسي أولى بتلك التهيئة أكثر من غيرها لأن الإنسان هو أحد الأركان الأساسية في عمليات التطوير المؤسسي.

إن التغيير عملية لا يمكن تلافيها، ومع ذلك فإن معظم الناس ينظرون إلى التغيير كعملية مزعجة، فبعضهم يخشى التغيير لأنه قد يضر بمصالحه أو لأنه لا يعني بالضرورة بحسب رأيهم الانتقال لوضع أفضل، ومن حيث السلوك العام للمؤسسة فإن الطابع العام هو الميل إلى الروتين والجمود، ذلك لأن التغيير عادة يعني المزيد من الجهد والحاجة إلى الابتكار والتجديد، ومع ذلك فإن مقاومة التغيير الذي تقترحه خطط التطوير المؤسسي ليس سيئاً بل قد يكون شيئاً جيداً في حال إدراكه واستيعابه، فالإصغاء إلى شكاوى ومخاوف المقاومة يؤدي حتماً إلى تعميق الاستيعاب وبالتالي إلى الفعل والنتيجة الصحيحة، كما أن إبراز المشاكل بمعرفة عناصر المقاومة يؤدي إلى معالجتها قبل وقوعها واستفحالها وهذا يؤدي بالتالي إلى تحقيق أهداف خطط التطوير المؤسسي.

وعلى ضوء ما تقدم؛ يمكننا استخلاص القواعد التالية التي يجب الالتزام بها عند التهيئة لتنفيذ خطط التطوير المؤسسي:

- التنوير بحكمة التغيير: لا شك أن العنصر المشترك في عملية التطوير المؤسسي هو مصلحة العمل، وهي نقطة الالتقاء بين الموظف والمؤسسة، فالموظف يتمنّى للمؤسسة البقاء والنمو، والمؤسسة تسعى لكسب ولاء والتزام الموظف بمصلحة العمل، ولابد لذلك أن يكون واضحاً في عملية التطوير المؤسسي، كما لا يمكن التغاضي عن متطلبات وأهداف التطوير كونها تهيّء الأرضيّة لقبول خطة التطوير وتحفزّ الجميع من أجل تنفيذها.

- المشاركة: إن مبدأ مشاركة جميع الأطراف المعنية في عملية وضع الخطط هو الضمان الأكبر لتهيئة الجميع نحو المشاركة والتنفيذ، ذلك يعني ضرورة حرص الجميع على المساهمة في اكتشاف فرص التطوير المؤسسي وتحديد الأولويات ووضع خطط التنفيذ.

- التواصل الفعال: يأخذ مفهوم التواصل أبعاداً قد تبدو مختلفة ومتشابكة، وتتطلب عملية تنفيذ ورعاية خطط التطوير المؤسسي الحرص على توفير المعلومات اللازمة، ونشرها بصورة واضحة ومحددة وإيجابية.

- التدريب: يركّز التدريب على إجراء تغييرات في مفهوم أو مواقف أو معلومات أو مهارات أو سلوك الموارد البشرية، مما يساعد على تقبّل التطوير وتنفيذه بصورة أفضل.

المرحلة الرابعة: المتابعة التصحيحية

لا تكتمل بنود خطة عمل التطوير المؤسسي دون تفعيل ممارسات المتابعة التصحيحية، ويفضل أن يشترك في المتابعة عناصر من داخل المؤسسية وعناصر استشارية من خارجها، وهناك عدة طرق في المتابعة تعتمد على المقابلة وتقارير المتابعة ومنهجيات حصر النتائج الكمية و/ أو النوعية واكتشاف الأخطاء، وكلما كانت الأهداف محددة بدقة كانت عملية المتابعة فعّالة وقابلة للقياس، وفي جميع الأحوال يفضل أن تتضمن خطة التطوير على منهجيات المتابعة، ونذكر بعض الأمثلة لها:

- متابعة أداء الموارد البشرية: وذلك من خلال مؤشرات الأداء الشخصية، وقياس معدّلات المعايير المختلفة كالغياب والتسرب الوظيفي والإصابات والشكاوى.

- متابعة الإنتاج: وذلك من خلال قياس حجم الإنتاج وما طرأ عليه من تغييرات مثل تكلفة الوحدة …إلخ.

- أداء النظم: وذلك من خلال كفاءة وفعالية التواصل، وتدفق المعلومات، وحل المشاكل واتخاذ القرارات استناداً على هذه البيانات…إلخ.

إن التطوير المؤسسي ضرورة من ضرورات إدارة الأعمال وبناء ونمو المؤسسات، وتمر عملية التطوير المؤسسي بأربعة مراحل أساسية وهي المرحلة التشخيصية، ووضع خطة العمل، والتهيئة لتقبّل التطوير واستدامته، أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة قياس النتائج وإجراءات المتابعة التصحيحية. ولكل مرحلة أساليبها الخاصة، كما أنها مترابطة ومتكاملة بحيث تؤدي في النهاية إلى تحقيق الأهداف المحددة لعملية التطوير وهي الاستدامة والتحسين، ومواجهة التحديات، وإجراء التغييرات التي تسعى لتحقيق المصلحة المؤسسية على المدى القريب والبعيد.

عن الكاتب
شارل طوق

شريك

يشغل السيد شارل طوق منصب شريك في شركة ميرك للتدريب والاسـتشارات، وهو حائز على شهادة البكالوريوس في الحقوق من الجامعة اللبنانية، وعلى درجة الماجستير في إدارة الموارد البشرية والتدريب من جامعة ليستر في بريطانيا، كما أنه يستكمل حالياً درجة الدكتوراة في إدارة الأعمال من كلية الأعمال السويسرية، بالإضافة إلى ذلك فقد حصل السيد شارل على شهادة الاعتماد المهني من جمعية إدارة الموارد البشرية (SHRM-SCP) في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه مدرّب معتمد من معهد الأداء والتعلم في كندا (CTP ™)، وخبير معتمد في التوجيه الإرشادي ACECC، وحاصل على شهادة في الصحة والسلامة المهنية من نيبوش (NEBOSH) في المملكة المتحدة، إلى جانب كونه مستشاراً معتمداً في التطوير المؤسسي من الجمعية الدولية لتطوير وتغيير المؤسسات (ISODC) في الولايات المتحدة الأمريكية.

الاطلاع على الملف
علم النفس الصناعي والمؤسسي

يعتبر علم النفس الصناعي والمؤسسي أحد فروع علم النفس التطبيقي، حيث يركّز…

شارل طوق
23rd February, 2021
اقرأ أكثر
هل مهنة خبير الجودة في طور الاندثار؟

في ضوء التقدم السريع للتكنولوجيا وما يسمى الثورة الصناعية 4.0، أي الذكاء…

د. فوزي بوّاب
2nd February, 2021
اقرأ أكثر
هل ستغيّر روبوتات المحادثة "Chatbots" قواعد لعبة التوظيف؟

تجد المؤسسات نفسها بين مطرقة التكنولوجيا وسندان التغيير المستمر الذي يدفعها…

شارل طوق
2nd February, 2021
اقرأ أكثر
إدارة الوقت في زمن الـ "كورونا"

جلب فيروس كورونا المستجد مخاوف كثيرة هددت البشرية جمعاء. في هذه الأوقات…

شارل طوق
31st March, 2020
اقرأ أكثر