اقتصاد المملكة العربية السعودية: التحول النموذجي والمضي قدماً

اقتصاد المملكة العربية السعودية: التحول النموذجي والمضي قدماً

  مارون زغيب | مستشار أول

  2nd August, 2017

تمثل المملكة العربية السعودية حوالي 45٪ من اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي وهي تعد أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط. من ناحية العيش في الخليج، لا شيء يزعجني أكثر من انحراف المؤشرات الاقتصادية الرئيسية في المملكة العربية السعودية في عام 2015 مقارنة بعام 2012.

قصة الحب والكراهية بين المملكة العربية السعودية والنفط: تمتلك المملكة العربية السعودية 18٪ من احتياطيات النفط الموجودة في العالم، وتنتج يومياً ما نسبته 15٪ من الإنتاج العالمي للنفط، وتشكل الصادرات النفطية 90٪ من صادرات المملكة العربية السعودية السنوية، مما يعني أن أسعار النفط كانت محفزاً رئيسياً للأداء الاقتصادي في المملكة العربية السعودية. هذا هو الجانب السعيد من القصة طالما أن أسعار النفط ترتفع باستمرار، وأن المملكة العربية السعودية قادرة على تصدير إنتاجها النفطي إلى شركاء تجاريين مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية. ولكن القصة ستتحول إلى كابوس عندما تكتشف الولايات المتحدة الأمريكية حقول النفط، وتطور التكنولوجيا لتجعل عملية إنتاج النفط غير مكلفة، وتعلن أنها ستصبح مكتفية ذاتياً في المستقبل القريب، وتخفض أسعار النفط إلى النصف.

إجمالي الناتج المحلي:

ارتفعت قيمة إجمالي الناتج المحلي الاسمي للمملكة العربية السعودية بشكل ثابت، إذ تضاعف تقريباً كل 10 سنوات، من 87 مليار دولار في عام 1986 إلى 158 مليار دولار في عام 1995، ومن 375 مليار دولار في عام 2006 إلى 646 مليار دولار في عام 2015. وكان العام 2014 قياسي عندما بلغ إجمالي الناتج المحلي 754 مليار دولار.

وخلال تلك السنوات الثلاثين، شهدت المملكة العربية السعودية خمس انخفاضات فقط في إجمالي الناتج المحلي، ويرتبط ارتباطاً مباشراً مع الانخفاضات الحادة في أسعار النفط مثل 1998 و 2009 و 2015 عندما انخفض متوسط أسعار النفط بنسبة 33٪ و 37٪ و 47٪ على التوالي من السابق عام.

ويمثل استهلاك الأسرة المعيشية مكوناً رئيسياً من إجمالي الناتج المحلي بحوالي 30٪، يليه الاستهلاك الحكومي وتكوين رأس المال الإجمالي، ويمثل كل منهما حوالي 25٪ من الناتج المحلي الإجمالي. ويمثل صافي الصادرات عادة 20٪ من إجمالي الناتج المحلي، إلا في سنوات الأزمات عندما تنخفض أسعار النفط. وفي تلك السنوات، تقلصت الصادرات الصافية إلى 5٪ -10٪ من إجمالي الناتج المحلي، بل وحققت أحياناً تدفقات صافية. وعادة ما يعوض هذا الانخفاض في الصادرات عن طريق زيادة الإنفاق الحكومي.

معدل نمو إجمالي الناتج المحلي:

عندما ننظر إلى معدل نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي، وهو النمو الاقتصادي المعدل للتضخم، سنرى أنه يتحرك تماشياً مع نمو إجمالي الناتج المحلي الاسمي. وكان العقد الأسرع نمواً بين عامي 1986 و 1995 عندما بلغت معدلات النمو مستويات قياسية بلغت 17% و 13% و 15% و 15% في 1986 و 1988 و 1990 و 1991 على التوالي. ولا تظهر العقود التالية، من عام 1996 حتى عام 2005، ومن عام 2006 حتى عام 2015، تقلبات كبيرة في نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي الذي كان إيجابياً في معظم الفترة إلا في الفترة 1998-1999 و 2009 عندما انكمش الاقتصاد بسبب الأزمة المالية الآسيوية والأزمة المالية العالمية.

ميزان الحساب الجاري:

كان رصيد الحساب الجاري في المملكة العربية السعودية سلبياً في كل عام، من عام 1986 حتى عام 1995 بمتوسط عجز قدره 12 مليار دولار في السنة. وتغير الوضع في العقد التالي عندما أدت الفوائض التجارية السنوية الناجمة عن زيادة أسعار النفط بنسبة 50 في المائة في الفترة من عام 1996 إلى عام 2005 إلى فائض في الحساب الجاري يبلغ 20 مليار دولار سنوياً، وهو ما يصل إلى فائض قدره 90 مليار دولار في عام 2005. وكان العام الوحيد خلال تلك الفترة الذي شهد عجزاً في الحساب الجاري (بلغ 13 مليار دولار) هو العام 1998، بسبب الأزمة المالية الآسيوية. وخلال العقد التالي، ظل معدل الزيادة في رصيد الحساب الجاري سليماً في الفترة من عام 2006 إلى عام 2012، حيث بلغ رقماً قياسياً وهو 165 مليار دولار، تلاه انخفاض في عام 2013 مما أدى إلى انخفاض في الحساب الجاري إلى 135 مليار دولار وعجزاً قدره 53 مليار دولار في عام 2015، نتيجة لانخفاض أسعار النفط بنسبة 53٪ بين عامي 2012 و 2015.

وعلى مدى فترة الثلاثين عاماً التي بدأت في عام 1985 وحتى عام 2015، أظهر ميزان الخدمات عجزاً بسبب ارتفاع واردات الخدمات الاستشارية ودفع الإتاوات إلى الخارج والتي لم يقابلها سوى السياحة بغرض أداء العمرة وموسم الحج. كما كان صافي التحويلات الجارية سلبية في كل سنة من تلك الفترة بسبب المساهمات الخيرية والهبات الكبيرة التي قدمتها المملكة العربية السعودية إلى بلدان خارجية.

ميزان الحساب المالي:

في سنوات العجز في الحساب الجاري، التي استمرت حتى عام 1995، أظهرت الحسابات المالية أموالاً تتدفق من الخارج بشكل رئيسي على شكل قروض مصرفية وحكومية. عندما بدأت المملكة العربية السعودية تظهر فائضاً في الحساب الجاري، رأينا أن استثماراتها الأجنبية المباشرة في الخارج ومحفظتها الأجنبية من الاستثمارات ظلت منخفضة نسبياً، في حين نمت احتياطيات النقد الأجنبي بسرعة، مما يدل على استراتيجية متحفظة في استثمار الفائض. (انظر إلى الرسم البياني 1 سنة 1986 حتى 2014)

أسعار الصرف:

تم ربط الريال السعودي بالدولار الأمريكي منذ أوائل الثمانينيات لتجنب تقلبات العملة وإزالة الشكوك في التعاملات عبر الحدود. وتستخدم احتياطيات النقد الأجنبي لحماية الربط حيث كان ينمو منذ عام 1985 حتى عام 2014. وفي الآونة الأخيرة انخفضت هذه الاحتياطيات من ذروتها البالغة 753 مليار دولار في عام 2014 إلى 629 مليار دولار في عام 2015 وإلى 536 مليار دولار في عام 2016. واستخدمت هذه الاحتياطيات من النقد الأجنبي لتمويل العجز في الميزانية والذي بلغ 100 مليار دولار في عام 2015 و 83 مليار دولار في عام 2016، وأيضاً كوسيلة لحماية معدل الفائدة من الانخفاض. وفي العامين الماضيين، أدى انخفاض أسعار النفط إلى تقلص صادرات النفط بالدولار. ومع وجود طلب مستقر وعالي للدولار الأمريكي للالتزام بسداد أي ديون بالدولار الأمريكي، باعت الحكومة الاحتياطيات الأجنبية واشترت SAR من أجل الحفاظ على القيمة الحالية للسهم. إن أي ضعف في قيمة الريال السعودي سيجعل سداد ديون المملكة العربية السعودية مكلفة أكثر. (انظر إلى الرسم البياني 1 سنة 2015).

السياسة النقدية:

أصدرت المملكة العربية السعودية سندات حكومية بقيمة 17 مليار دولار في عام 2016 لتمويل عجز الموازنة الحكومية. بالإضافة إلى ذلك، قامت مؤسسة النقد العربي السعودي بتطبيق ارتفاع في سعر الفائدة بين البنوك السعودية (SIBOR) من 0.75٪ في 2015 إلى 2.25٪ في منتصف عام 2016 لاتباع توجه السياسة النقدية في الولايات المتحدة حيث يقوم مجلس الاحتياطي الفدرالي بزيادة أسعار الفائدة. بعد تغير سعر الفائدة الفيدرالي، يكون من الضروري تجنب المضاربة، فإن ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة من شأنه أن يدفع المستثمرين إلى بيع SAR لارتباط الريال السعودي بالدولار الأمريكي، وشراء الدولار الأمريكي والاستثمار في الولايات المتحدة، الأمر الذي يضغط على الريال السعودي. ومن الجانب السلبي، فإن الزيادة في سعر الفائدة بين البنوك السعودية (SIBOR) تقيد الاقتصاد وتتباطأ في الوقت الذي تحتاج فيه في الغالب إلى سياسة توسعية. ووفقاً لمؤسسة النقد العربي السعودي، فإن "الزيادة البالغة 100 نقطة في مؤشرSIBOR تؤدي إلى انخفاض قدره 90 نقطة في إجمالي الناتج المحلي في الربع السنوي التالي و 95 نقطة في ربع السنة الذي يليه".

السياسة المالية:

وافقت حكومة المملكة العربية السعودية على فرض ضريبة القيمة المضافة اعتباراً من 1 يناير 2018، مما يعني نهاية المعيشة الخالية من الضرائب وانخفاض الدخل المتاح لإنفاقه بالنسبة للمستهلكين. وثمة ضريبة أخرى أدخلت في يونيو 2017 وهي ضريبة الإنتاج التي يمكن تتوجب على استيراد أو إنتاج السلع مثل المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة ومنتجات التبغ. وستؤدي هذه الضرائب الجديدة إلى خفض أرباح الشركات والدخل المتاح للمستهلكين مما سيؤدي إلى إبطاء استهلاك الأسر المعيشية والنمو الاقتصادي. وبالإضافة إلى ذلك، بدأت الحكومة تواجه عجز في الميزانية، الذي بلغ في عام 2014 مبلغ 24 مليار دولار والذي تضاعف أربع مرات إلى 100 مليار دولار في عام 2015. وكرد فعل خفضت الحكومة النفقات الحكومية التي انخفضت من 304 مليار دولار في عام 2014 إلى 267 مليار دولار في عام 2015 ثم إلى 230 مليار دولار في عام 2016 عن طريق خفض أجور القطاع العام ودعم الطاقة.

المضي قدماً:

على فرض ثبات أسعار النفط، وواصلت الحسابات الجارية وأرصدة الميزانية تسجيل العجز على نفس المستويات في عامي 2015 و 2016، ستنخفض احتياطيات النقد الأجنبي في المملكة العربية السعودية تماماً خلال 13 إلى 15 عاماً. وقد أدركت حكومة المملكة العربية السعودية أن التكهنات وآمال إعادة الاستيلاء على أسعار النفط ليست حلاً للانتعاش الاقتصادي، وبالتالي هناك حاجة إلى مصادر أخرى للإيرادات غير النفطية. أهم التغييرات الرئيسية التي سيتم تنفيذها هي:

  • بيع ما يصل إلى 5٪ من حصة أرامكو في IPO لتوليد حوالي 100 مليار دولار نقداً ليستثمرها صندوق الاستثمار العام في المملكة العربية السعودية
  • طرح بطاقة خضراء سعودية تسمح للناس بالدخول إلى المملكة العربية السعودية والاستثمار فيها
  • إعادة هيكلة صفقات الإنفاق العسكري وربطها بالصناعات السعودية
  • محاربة الفساد وآليات قياس أفضل أداء للهيئات الحكومية
  • ربط أوروبا وآسيا من خلال تطوير جسر الملك سلمان الذي يمكن أن يؤدي إلى استثمارات ضخمة وفرص تنمية، حيث سيساعد على نقل البضائع عبر البحر الأحمر
  • فرض رسوم أعلى على العمالة الوافدة والتي ستقلل من تدفقات التحويلات الخارجة من المملكة العربية السعودية
  • رفع الإعانات التي يتم تقديمها للجميع، بمن فيهم الوزراء والأمراء.

برأيي، قامت حكومة المملكة العربية السعودية بتحوط رائع من خلال الافتراض بأننا نشهد نقلة نوعية في الاقتصاد مما يجعل من الليونة والاستباقية شعاراً للعقد القادم. ولكن السؤال الذي لا يزال قائماً، هل ستحذو دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى حذوها أم أن القطار سيفوتهم؟