مغامرتي في عالم التعلّم الافتراضي

5th May, 2020

لقد تغيّر المفهوم التقليدي للتعليم بشكل جذري خلال السنوات الماضية، وترسّخ هذا التغيير خلال الأشهر الفائتة لاسيّما مع ظهور جائحة فيروس كورونا، فلم يعد التواجد الجسدي هو خيار التعلم المفضّل، فعندما أصبح غير متاحٍ، تم استبداله بالتعلم الافتراضي الذي سرعان ما أصبح واقعاً لا مفرّ منه. في البداية كانت نظرتي إلى هذا الواقع كتجربة أليمة من المحتمل أن تفقدني عملي الحالي كمستشار يعتز بإجادته أساليب التعلم المباشر ويتقن تقديم الدورات التدريبية التي كانت تكتظ بالمتعلّمين، ولكن مع مرور الأسابيع الأولى من الحجر المنزلي وجدت نفسي مُنساقاً لتجربة التعلّم الافتراضي، فجزء منّي يرغب في تقبّله والتطوّر مع المستجدات العالمية من حولي، وجزء آخر يجر أقدامه قسراً نحو هذه التجربة المجهولة تحت حكم المثل القائل: "مجبرٌ أخاك لا بطل".

إذا نظرنا إلى فرص ومصادر التعليم من حولنا في الوقت الحاضر سنجد أنه يمكن لأي شخص الحصول على التعلّم في أي وقت وفي أي مكان بشرط توفّر جهاز متصل بالإنترنت، فقد دخلنا الآن يا سادة حقبة جديدة وثورة من نوع آخر وهي "ثورة التعلم عبر الإنترنت"، وعلى الرغم من إقراري بهذه الحقبة الجديدة إلا أنني تمسّكت بداية ببعض الشكوك حيال مدى فعاليتها، فمن الصعب علي بالتأكيد أن أتخلّص ببساطة من الممارسات التي تعوّدت عليها سابقاً، فللتعليم المباشر مزايا عديدة لا يمكنكم إنكارها، فالتعلّم الافتراضي سيعني أنني لن أستطيع رؤية زملائي من المختصين والمتدربين، ولن أستطيع مصافحتهم وتناول القهوة وتبادل أطراف الحديث معهم، إلا أن فضولي كان الأقوى في دفعي إلى الدخول في مغامرة التعليم والتعلم في العالم الافتراضي، فكنت الطالب حيناً والأستاذ أحياناً أخرى، فتعلّمت الكثير وتمكّنت أيضاً من مشاركة خبراتي ومعرفتي مع الآخرين واستطعت الوصول إلى بلدان بعيدة لم أكن لأسافر إليها، وتواصلت مع أشخاص من مختلف الأعراق والجنسيات لم تكن الحياة ستجمعني بهم يوماً وأنا مرتاح في منزلي.

أعترف أني قد استفدت كثيراً من هذه التجربة الغنية، وعدت محمّلاً بالكثير من النصائح والدرر، وسأكون كريماً معكم وأشارككم بما استخلصته من هذه الرحلة في السطور القليلة اللاحقة.

التنوّع:

يمتاز التعلم الافتراضي أو الدراسة عن بعد أو عبر الانترنت بالتنوع؛ إذ أنك بنقرة واحدة تفتح أبواباً تخفي خلفها مساحات شاسعة من البرامج والدورات والمحاضرات التي لا تُعد ولا تُحصى، وتكاد من أثر المفاجأة أن تضيع في متاهتها، وأيّاً كان طلبك لا شك أنك ستجده، فلو رغبت مثلاً في دراسة الموسيقى أو فن الطبخ سيكون لك ما تمنّيته بكل بساطة.

المرونة:

للتعلّم الافتراضي مرونة عالية تلبّي جل احتياجاتك، فبه لن تعاني في سبيل تحقيق التوازن بين حياتك المهنية والشخصية، بالإضافة أنك ستنمّي العديد من المهارات الجديدة كإدارة الوقت وتقبل التغيير وتحمّل المسؤوليات في ظل الاستقلالية شبه المطلقة.

سهولة الوصول:

يتيح لك التعلم الافتراضي اكتساب المعرفة من أي مكان في العالم، وبه لست بحاجة للتنقل والسفر والإسراف بالإنفاق المالي والزمني، فإذا توفرت التقنيات والمنصات والأدوات الصحيحة يصبح الطريق إلى عالم "العجائب" ممكناً ومعقولاً.

المُلاءمة:

بوصولك إلى هذا العالم الذي يشبه متجراً عالمياً متنوعاً وكبيراً ستجد كل ما تتمناه وتحتاجه، وستجد أن المستشارين والمتخصصين حريصين على توفير ما يُلائمك وفقاً لمتطلباتك ومستواك وقدراتك، فمنصة التعلم الافتراضي زاخرة بما يُشبع احتياجك المعرفي بمختلف المصادر التعليمية، وستوفر لك مواداً متنوعة للتعلم كالفيديوهات والصور والكتب الإلكترونية والمنتديات والمناقشات والمحاضرات، وجميعها مصمم ليلبّي احتياجاتك الخاصة لتخرج راضياً تماماً من هذه التجربة الفريدة.

هذه ليست سوى بعض الأفكار التي علقت في ذاكرتي؛ والبقية محفوظة على سطح "كمبيوتري" وعلى سحابة أجهزتي الذكية؛ وسيسرّني مشاركتها معك عزيزي القارئ في أي وقت وعبر أي قناة تريدها.

لكنّي أصرّ على أن للتعليم المباشر مزايا لن يستطيع التعلم الافتراضي مجاراتها على الرغم من احتوائه على خيارات كثيرة ومتنوعة، فالتعليم عن بُعد لن يناسب من ينتمون للفئات التالية:

  • الذين لا يستطيعون التركيز لفترات طويلة ويتشتتون بسرعة.
  • الذين يودون سماع خبرات من العالم الواقعي.
  • الذين يعتبرون أنفسهم اجتماعيين ويملّون من التعلم بشكل منفرد.
  • الذين يستمتعون ويتعلمون من خلال التواصل المباشر ويعتمدون على تحليل لغة الجسد.

ولكنني حتى الآن لم أفصح عن الكنز الكبير الذي قدمه لي ساكن "الفانوس" السحري الذي عدت به من مغامرتي، فعندما سألته مباشرة عن الخيار الأفضل بين التعلّم الافتراضي والتعلّم التقليدي احتار في أمره وطلب منّي أن أسمح له بالعودة من حيث أتى مجيباً على سؤالي بصوت خافت: "يا معلّمي، يتمتع التعلّم المباشر بتاريخ عريق إلى جانب العديد من المزايا الواضحة والثابتة كالسفن الشراعية، ولكن التعلم عبر الإنترنت يتّسم بالسرعة والمرونة كالقوارب السريعة، ولكن كلاهما يحتاجان إلى وجود قبطان ماهر".

عن الكاتب
شارل طوق

شريك

يشغل السيد شارل طوق منصب شريك في شركة ميرك للتدريب والاسـتشارات، وهو حائز على شهادة البكالوريوس في الحقوق من الجامعة اللبنانية، وعلى درجة الماجستير في إدارة الموارد البشرية والتدريب من جامعة ليستر في بريطانيا، كما أنه يستكمل حالياً درجة الدكتوراة في إدارة الأعمال من كلية الأعمال السويسرية، بالإضافة إلى ذلك فقد حصل السيد شارل على شهادة الاعتماد المهني من جمعية إدارة الموارد البشرية (SHRM-SCP) في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه مدرّب معتمد من معهد الأداء والتعلم في كندا (CTP ™)، وخبير معتمد في التوجيه الإرشادي ACECC، وحاصل على شهادة في الصحة والسلامة المهنية من نيبوش (NEBOSH) في المملكة المتحدة، إلى جانب كونه مستشاراً معتمداً في التطوير المؤسسي من الجمعية الدولية لتطوير وتغيير المؤسسات (ISODC) في الولايات المتحدة الأمريكية.

الاطلاع على الملف
التعليم والتدريب والتطوير – مفاهيم متداخلة أم مختلفة؟

بينما كنت أقدّم إحدى الدورات التدريبية الأسبوع الماضي؛ باغتني أحد المشاركين بسؤال مثير للاهتمام، كان السؤال حول أوجه الشبه والاختلاف بين التعليم والتطوير والتدريب. لاشك أن سؤاله دفعني للتفكير للحظة؛ وسرعان ما استذكر ذهن...

شارل طوق
4th March, 2019
اقرأ أكثر